الاثنين، 31 مارس، 2014

عمّي "حْمَدْ"

السلام عليكم ...


يجلس على كرسيه العتيق في حراسة بضاعة متجره الذي تجاوزت ديونه التي في عاتق التجار والموزعين ديونَه التي في عاتقه، وبملامحه الحادة وتصرفاته الجافة ووجهه النزق الذي يقابل به أبناءه وعمال متجره وحتى زبائنه الذين يتحملونه فوق طاقتهم، رأفة بمصالحهم.
عمّي "حْمَدْ"، لم يدخل المدرسة ولم يتخرج يوما من كلية التجارة، وليس له علم بأدبيات المحاسبة. يعرف من اللغة بضع حروف يكتبها وبفهمها هو، ومن الأرقام ما يسيِّر به صندوقه، لكنه رغم هذا تجده بارعا في الحساب، فهو يحفظ أسعار سلعه التي تجاوزت المائة من الأنواع عن ظهر قلب، ويبرع ذهنيا في الجمع والضرب وكذا القسمة، وليس بإمكان أحد مغالطته مهما كان دهاؤه، فببساطة .. أرقامه تمثل أرباحه.
لدى عمّي "حْمَدْ" لغة خاصة به، وحتى تفهم ما يقول لابد أن تكون حذقا ولبثت في عِشرته من عُمُرك سنين!، فهو يفترض مسبقا أنك تفهمه، ولا يعيد كلامه مرتين، فإذا استفسرت عبثا عما يقول، فسيثور في وجهك ويلعن الدهر الذي سلّطك عليه وسوف تعيش بقية يومك آسفا نادما لأنك نبست ببنت شفة!!.
عمّي "حْمَدْ" له لسان سليط جدا، فنصف كلامه مقرون دائما بما تحت الحزام، ونصفه الآخر يلعن الظلام، رغم هذا فهو يبتسم بين الفينة والأخرى كأي تاجر حريص عندما تدرّ عليه تجارته أرباحا،  فترى بذلك بياض أسنانه التي يجهل الجميع خِلقتها من صِنعتها، وترى لمعان عينيه الزرقاوين استبشارا بالخير الوفير.
حينما تهدأ الأوضاع وتقِلّ الحركة وقت الظهيرة، ترى عمّي "حْمَدْ" وقد انهكه التعب، تراه جالسا على كرسيه يراقب بضاعته مرة، ويقلب عينيه في الشارع المقابل مرّات، ويطلق العنان لتثاؤبه مللا بهذه الأجواء الراكدة. وعندما لا يجد ما يفعله تراه يصرخ في وجه عماله، ناهيا اياهم تارة وآمرا لهم تارات كثيرة.
يحل المساء فتخور قِوى عمّي "حْمَدْ"، يجمع نفسه وبقاياه عندما يسدل الليل ستاره ويُغلق عمّي "حْمَدْ" دكّانه ويسكت عن الكلام غير المباح.

بقلم: ياسر يكن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)